الشيخ محمد الصادقي

316

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

إذا فليس رشده المؤتى من لدنا « من قبل » فوضى جزاف ، بل إنه حلّ محلّه اللائق اللابق ، وذلك هو الرشد الرشيد لمن يبتعثه اللّه رسولا إلى خلقه ، انه يصنعه بعينه ورعايته ، ما يعبّد طريقه إلى الرسالة ، منذ أصلاب الآباء وأرحام الأمهات حتى الولادة والطفولة والغلمة البالغة والكهولة والشيخوخة ، فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ، ولكي يأهل لحمل الأمانة الكبرى ، متعبا نفسه فيها . وهذه الآية بما بعدها حلقة رسالية شاخصة في ميادينها تحلّق على تاريخها مقسّمة إلى مشاهد متتابعة بينها فجوات ، بادئة بسابق الرشد لإبراهيم في ذلك المسرح الصريح الجريء « وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ » وباستعداده لحمل الأمانة الكبرى التي حملها المرسلون ، وهو صاحب الراية في الطليعة : إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ 52 . وان بين قاله لأبيه آزر وقاله لقومه ردح من الزمن ، إذ قال لأبيه وهو تحت حضانته وكفالته ولما يبلغ مبلغ الرجال والشباب ليخوض خضمّ المجتمع حتى يكون له قوم ، مهما كان القال نفس القال ، لوحدة المجال ، وداء الشرك العضال . « إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً . يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا » ( 19 : 43 ) - « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » ( 6 : 74 ) . والتماثيل هي الأشباه ، إذ كانوا يعملون الصور المجسمة الشبيهة بذوات الأرواح ، وهي أشباح بلا أرواح ، وكيف يعكف ذوو الأرواح لما يصنعونه من غير ذوات الأرواح ، وهم لأن يعبدوا لها أحرى من أن يعبدوها ، لأنهم أولاء صانعوها .